إن المحتوى الفكري للحضارات الإنسانية يجمع بين ثقافة العقل ومجموع العادات والأوضاع الاجتماعية والطرق العلمية والتقنية وكذلك الآثار الفكرية.. وتتصل بأنماط التفكير والقيم أيضاً.. فهي تصف طريقة حياة الناس وتنتج منها الثقافة الأصيلة لتوثق شكلاً من أشكال الحياة.. ويرتبط هذا المحتوى الفكري بصناعة الكتاب.. ويلعب المثقف هنا دوراً مهماً في إرسال رسالته إذا كان مبدعاً مؤلفاً أو متلقياً للرسائل.. إذا كان متلقياً قارئاً.. وفي غياب الأطر الثقافية لأي مجال ثقافي تتعدد المحاولات لوضع هذه الأطر.. فالكتاب على سبيل المثال مهم أن يكون هناك مؤلف وناشر.. والواقع يثبت أنهما.. في علاقة.. أشبه ما تكون بمد وجزر.. أمواج الشاطئ.. انطلاق وتعثر.. نصر وانكسار نجاح
وفشل ربح أو خسارة من هنا.. يا تُرى ما القسم المشترك بين الكاتب والقاص والناشر؟؟
سؤال لطالما أشغلني في العلاقة الحقيقية بين الإبداع وصناعة وصول هذا الإبداع للناس!!
بطريقة تحفظ حقوق المؤلف وحقوق الناشر مع احترام القارئ الذي يقدم له ثقافة ما في مجال ما وبطريقة ما!!
فهناك كاتب.. لديه مصداقية في التعبير وخيال وبعد نظر ورؤية ثاقبة.. وهناك العكس..
وهناك قاص.. لديه ملكات تعبير في وصف أحداث قصة ما.. يجيد تفاصيل مواقف وانفعالات.. فيعالج قضية ما أو يطرح رؤية مستقبلية.. لتطوير شيء ما..
وهناك كاتب يستطيع كتابة مقال.. وكاتب يستطيع كتابة النصوص.. وفق رؤية تكون فيما يراه قصة أو رواية!!!
وهناك ناشر.. مفكر مثقف.. يعنى بتقديم الثقافة.. وهناك ناشر تجاري.. يعنى بالتسويق والتوزيع لرفع رصيده وكلاهما.. في عالم صناعة الكتاب يختلف في الأداء والتنظيم والإجراءات والتفاعل وكذلك يختلف في حصد النتائج.. كما أن الناشر التاجر.. تنطبق عليه تنوع الأهداف وفق تنوع الأخلاق وقبل هذا رؤيته ورسالته.. هناك ناشر تاجر أمين في عمله وهناك من يفتقد للأمانة والمصداقية..
وهناك الناشر الذكي...الذي يجيد اقتناص الموضوعات التي تهم العامة والغالبية العظمى من الناس وقد يجتمع ناشر ذكي مع قلة مصداقية وأمانة فكرية وثقافية فيوظف طاقة كاتب ما.. لكتابة رواية خرافية.. تختل فيها القيم والأخلاق.. والعقائد.. لتكون موقع خلاف بين تيارات اجتماعية ودينية فيحقق ضربته في التسويق والتوزيع وتحديداً عندما يكون المنع لهذا الإصدار فإن الناس تسعى خلفه من منطق (كل ممنوع مرغوب).
صراع مرير.. وأزمة في المشروع الثقافي وصناعة الكتاب.. حينما يكون الكاتب أداة.. مضحكة لناشر يزيد الغث غثاً.. ويخلطه بالسمين.. !!
تظهر هذه على السطح في المنافسة السنوية بين دور بعض النشر في معارض الكتاب.. الجديد الممنوع المرغوب حدث الساعة وشغل الشاغلين وصراع الليبرالي مع الإسلامي.. والمثقف في هذه الحالة.. يعيش ويلات هذا الصراع.. وهذا الاستغلال.. والتسفيه به وبالثقافة الأصيلة..!!
نظل في هذا الكم الهائل من الكتب.. نتعجب ممن.. يحاول مواجهة ايديولوجية المجتمع.. وفلسفات التغير.. بالهدر الفكري والثقافي.. والاستخفاف.. بالقيم والأعراف بل الاستخفاف بمعايير الكتابة.. وبخصائص القصة أو الرواية فيعجز عن الحبكة ولحظات التنوير وجذب القارئ بمتعة الخيال والوصف.. والسمو بالعلاقات.. الإنسانية ووصفها بجمال.. والأهم هو.. الجدل في العقائد.. بين الحلال والحرام.. ووصف الحرام بأسلوب.. يوحي بعموميته في المجتمع.. مع فائض من السخافات.. التي يغيب فيها الإبداع.. ذلك لأنها.. تكتب بطريقة القص واللصق.. وخيال كاتب لا قاص.. لتكون شكلاً من أشكال الترف الغريب ثقافياً وفكرياً واجتماعياً...ترف لا وطن له.. ولا هوية.. ولا خبرات.. ولا قيم.. لا جمال معنى ولا جمال منطق.. مجرد.. حصاة ترمى لتحرك الماء الراكد.. ثم لا تلبث.. تغرق الحصاة.. وتعود المياه.. إلى ركودها ويزيد رصيد الناشر.. مالياً.. ويخسر الكاتب مصداقيته.. وأمانته الفكرية.. ويعيش انفصال شخصية بين أن يكون كاتباً أو قاصاً أو روائياً...!!.. وقد فقد.. جمهوراً عريضاً.. لكونه كان أداة ناشر!! مهم أن نصل إلى قناعة.. إن الرواية أو القصة.. مؤلفها له مقومات.. إبداع.. يصل إلى القارئ بهذه المقومات.. وليس باختيار الفكرة بأسلوب القص واللصق.. حيث لا يصح إلا الصحيح.. وكل منتج ثقافي وفكري.. يطبع بصمة صاحبه.. فيختلف هنا.. ما يؤلفه المؤلف بإحساس وبحالة شعورية.. عن أداء دور بمقابل مادي أو أداء دور لرغبة كاتب في أن يكتب رواية أو قصة.. فالرغبات وحدها لا تكفي.. ما لم يكن هناك ملكات ومواهب إبداعية للخيال والوصف لتفاصيل القصة والرواية. وبذلك يعمل المثقف بصفته فاعلاً في وطنه وثقافة وطنه لتتسع دائرة الوعي الحضاري.